قصة صرخة عتاب

 صرخة عتاب

يومٌ جديد مرير؛ وذكرى لم تنسَها تُدمي قلبها، اعتصرتْ سلسبيل الصورة بيدها بعدما نظرت بحسرة تشكو وحدتها، ومرارة الأيام التي كالعلقم؛ ذَبُل وجهها إثر الحزن حينها دلف زوجها وجدها كما في الليالي السابقة، نظرت لعله ينظر  بشفقة إلى حالها تتوسله نظرة حب واهتمام، بِداخلها بركان على شفا الانهيار، يلين بكلمة واحدة منه؛ نظرت ثانية بيأس ونهضت بتكاسل لروتينها المعتاد، تحضير ملابس وتجهيز إفطار إلخ..

 قبل مغادرته تحدثت بخفوت:

-اليوم ذكرى...

قطع حديثها بجمود وجفاء؛  لم تبدُ معالم الحزن عليه كأن تلك الذكرى لا تشكل فارقًا وتحدث بضجر:

- لكني مشغول كثيرًا اليوم فلْنؤجلها للغد أو...

أغلق الباب، وغادر، نظرت بعينين دامعتين، وركضت لأحزانها التي لا تنتهي تشكو للخالق لِترتاح قليلًا:

- يا ألله هونها قليلًا لم أعُد أقوى بعد أريد الاحتواء فقط، لقد خسرت أعز ما أملك وهو الآن سندي الوحيد لمَ هذا الجفاء!

_الخامس من نوڤمبر لعام ٢٠١٨_

يسير داخل الازدحام، وقد ارتفعت الحرارة؛ جعلته يشعر كالثلج المُذاب، لم يصدق ولوجه إلى المنزل أخيرًا، فقد أجبرته للنزول ثانية لشراء الزبادي، والخيار قائلة أنهما شديدو الأهمية، اقتربت منه آخذة الأكياس سريعًا وهو ينظر بسخط قائلًا:

_هل كان الطعام سينقص دون هذين؟

ضحكت سيلا ثم سارت إلى الغرفة؛ تأفف بضجر، مر نصف ساعة وهو يجلس، ولم تحضر  الطعام، دخل المطبخ؛ فارغًا تمامًا، دلف للغرفة شعر بالدوار إذ رأى قناع وجهها خيار وزبادي، أزالت إحدى القطع عن عينيها قائلة:

_لم أعد الطعام اليوم. 

كتم ثورة جوعه رافعًا يده ثم هبط بها على الأضواء يغلقها، وغادر وهو يثرثر  لحاله بوجوب حل هذه المشكلة.

عاد بعد تناوله للطعام، وجدها جالسة أمام التلفاز، والعبوس يغلف وجهها، جلس جوارها؛ فالتفتت تطالعه بهدوء قائلة:

_ أريد أن أخرج.

نظر لها بيأس قائلًا:

_ لنخرج .

بعد قليل جلسا على الرمال الذهبية يتابعان منظر الغروب، أحضر الآيس كريم وجلس بجانبها، بدا سعيدًا لسعادتها حتى وجدها تقول بسخط:

_ أترتدي الساعة التي أعطتها لك الشمطاء؛ إن لم تخلعها فسأترك لك المنزل .

نظر بابتسامة لِغيرتها قائلًا بتسلية:

_هل حقًا شمطاء ألم تكن جميلة.

شمرت عن ساعديها ووقفت تنذره بالخطر، فخلعها عن معصمه وألقاها أرضًا، وفر من أمامها قبل أن تتحول.

_ عقب ذلك التاريخ_

دخلتْ سنسن على زوجها الغرفة وجدته أمام المرآة شاردًا، فهمست بخفوت: 

_ أَشردَ الجميل؟ 

لأول مرة لا يجيبها، هو لا يعطي ردًا كبيرًا على كلماتها المُداعبة، يبتسم ويكتفي بذلك؛ لكنها من اللائي يقلنَ لا استسلام ولا تراجع، اقتربتْ منه ومسكت طرف أذنه: 

_يبدو أنَّ الموضوع كبير وأنا لن أتخلى قبل معرفته.

صرخ من الألم: 

_ أذني، اتركي.

برمتْ شفتيها تتصنع الزعل: 

_لكنَّك شاردٌ عنِّي، قل الحقيقة هل تفكِّر في زوجة أخرى؟ 

لم تنتظر جوابًا وتابعتْ: 

_مع العلم لن تجد زوجة مرحةً مثلي،ولا من تعاملكَ كَسي السيد، أقول وحسب أنا امرأة لا تُعوَّض.

رفعتْ روبها  فوصل ركبتيها: 

_انظر، هل يمكنكَ أن تأتي ببياضِ ثلجٍ مثلي؛ ستسافر للصين؛ مشقة لأجلكَ كما أن صناعتها أصبحتْ نصف عمرٍ، هل ترضى  العيش مع نصف فتاة! 

نظر لها بنصف عينٍ وفي خاطره: 

_تلك المرأة سوف تذبحني لا أعلمُ ماذا تريد مني. 

تمددتْ على الفراش وأشارت له، أخذ وقتًا، ينظر يمينًا ويسارًا ويوجه بصره للأعلى وللأسفل، ويتساءل: 

_هل الآن؟ 

أجابته بدلع: 

_ وهل لِهذا وقت معين؟  

احمرتْ وجنتاه إذ تذكر تعليقات أصدقائه ليلة زفافهما بعدما رقصتْ:

 _ صاروخ_ 

ضحكَ لكنها لم تتركه؛ جذبته من ياقته وطرحته جوارها.

 الرابع والعشرين لنفس الشهر_

عاد للمنزل باكرًا؛ وجده هادئًا؛ الباب مُوارب ينفذ منه الضوء، تسلّل دون صوت، ونظر للحجرة المُحرَّمة؛ صُدم؛ فهي تمسك الساعة ذاتها، وتنظر  بخبث، وتتحدث بالهاتف" أيتها الشمطاء أتهدين زوجي هدية لعيد ميلاده من أنتِ لتفعلي ذ(…).

قطع حديثها  ودخل، فوقع الهاتف من يدها إثر صدمتها؛ أمسكه وأغلقه هاتفًا بغضب:

_ ماذا تفعلين ألم تتعبي بعد،  نفد صبرى كيف تتجرأين وتهاتفينها؟

ولمَ التقطي تلك مرة أخرى…

أشار بيده إلى الساعة بيدها، فتحدثت بلا بدهشة وقد أمسكت رأسها تشعر بدوار مفاجيء:

-من أنت وكيف دخلت هنا؟

خرج عن شعوره ممسكًا رأسه، دار حول نفسه ماذا يفعل أو يقول

صمت يبتلع ريقه  وأردف بيأس:

_أنا زوجك يا سلسبيل.

ردت محاولة إخفاء توترها:

_ أنا لست سلسبيل، أنا سيلا لقد أخطأت العنوان.

ما بينَ ليلة وضحاها تحول الحال من حالٍ لآخر، نظرت بشرود، تتساءل من هذا غريب الأطوار، اقترب منها ببطء، كان حريصًا ألَّا تخاف منه، أمسكها من ذراعيها حاولت التفلت قائلة:

_ابتعد عني.

لم يستجب لها، واجتذبهاإليه، استقرت بين أحضانه،  هدأت قليلًا، فتناول هاتفه، هاتف أحدهم ثم حدثها:

_ سنذهب  إلى مكان ما ونعود سريعًا.

أمام إحدى عيادات الطب النفسي توقفا، فتح باب السيارة ثم ترجّلت منها فقال بكوميديا:

_تفضلي يا سلسبيل.

 أعطاها ذراعه تأبطتها، انتظرا قليلًا ودخلا إلى الطبيب ما أن أشار إلى الشيزلونج  حتى قالت:

-لا لست مريضة .

نظرا لبعضهما، فأردف زوجها:

-إنها ليست ذات الشخصية، إنها  أخرى عنيفة معظم الوقت.

همس له بكلمات؛ فقال:

- أتمنى ألَّا نصل لتلك المرحلة.

ثارت عليهما:

- ماذا تقولان من خلفي هل تظنانني مجنونة أم أن ذاكَ حلمك لتتزوج تلك المرأة.

نفد صبره :

- ما زالتْ تقول تريد أن تتزوجها إنها أختي لا أدري أين ذهبتِ بذاكرتكِ.

 بعد ثوانٍ دلفت من الباب مساعدة الطبيب حاملة قرصَ مسكن وكأس ماء، أشار إليها لتتقدم ناحيتها، وقال لها بهدوء:

-تناوليها ستخفف من حدّة الصداع.

 تناولته، وجلست على المقعد، بدأ الطبيب يحدثها :

- ممّ أنتِ غاضبة؟

 لم تجب استعمل أسلوب الشد والجذب مثلما يُقال:

- أعلم أنكِ تسمعينني جيدًا أتدرين أنكِ تعالجين منذ زمن وما زالت تسوء حالتكِ، حل الخيوط المعقدة لحالتكِ بيديكِ أنتِ، يجب أن تصدقي أنكِ مريضة وتتلقين العلاج.

أدمعت عيناها، ونظرت لزوجها دون حديث، فتابع:

- أنا أعطيتكَ مسكنًا أقوى، وسأكتب لكِ المزيد  يجب أن تتعاطيها وإلا سنودعكِ في المشفى.

أومأت برأسها متفهمة، فأمسك زوجها بيدها مطمئنًا، وعادا لمنزلهما. 

 لم يمرْ الكثير من الوقت حتى فتحت عينيها بتثاقل، فوجدت شخصًا ما نائمًا جوارها، تأملت ملامحه الجذابة، ولمست وجنتيه البرونزية، فتمنت أن يكون فتىً أحلامها، هبت فزعًا، وصرخت بوجهه وقفزت أعلى الفراش تهدده بإصبعها:

- م.. من أنت ماذا فعلت بي؟

 سأقتلك مثلما قتلتني . 

استيقظ فزعًا وحملق بها، التقط أنفاسه اللاهثة إثر الصدمة، وقال بخفوت ليهدئها:

- زوجتي العزيزة غاليتي انظري.

كان يقول وهو يشير للحائط الموضوع أعلاه صورة :

- إنه عرسنا  .

حادثها هامسًا لحاله أيتها المجنونة كنا قد انتهينا من هذه المشكلة…

قفزت فرحًا تصفق:

- مرحَى أريد الملاهي وركوب عجل وغزل بنات وبالونًا كبيرًا وفقط.

نظر بصدمة وردد آخر كلمة ضاحكًا.

-وفقط ! 

هاتفًا بسره:

- مرحبًا طفلتي الشقية.

تمت...

عمل مشترك 

شروق مصطفي

جويريه مصطفي

زينب محمد علي


تعليقات