انتصرت أرض الزيتون
لا يسار ولا يمين فلسطين هي اليقين"
"عالشّوارع يا ثوّار
خلّو الدنيا تولّع نار"
"بلد الأقصى والقيامة
بلد العزة والكرامة
صاحت فيكو يا زعامة
وين النخوة والشهامة"
تلك هي هتافات الشعب الفلسطيني وهو يقاوم أعداءه المحتلين لأراضيهم المقدسة، يبذلون ما بوسعهم حتى سقطوا واحدًا تلو الآخر، وارتفع عدد ضحاياهم لكنهم لم يفقدوا الأمل بل خرج معهم جميع الأطفال من ديارهم؛ لا فرق بين رجل وامرأة أو حتى طفل فالهدف واحد هو تحرير أرضهم.
دوى انفجار هائل صادر من قنبلة توجهت لمجموعة من الشباب يناضلون، وإذ بهم تناثروا إلى أشلاء، أصوات القنابل شتّت جمعهم، وتفرق جميعُ المناضلين، وركضت فئة منهم بعيدًا حينها تفاجأوا برؤية امرأة تحمل في أحشائها مناضلًا لم يأتِ بعد للدنيا ويدها تربط على أصابع صغيرة تحاول بث الطمأنينة لروحها البريئة حين تهجم ذلك المسخ الإسرائيلي على دارها و سحلها خارجًا، بدأ بركلها في كل جانب منها بكل ما أوتيَ من كراهية مما جعلها تنزف بشدة وتتأوه حتى خارت قواها وتلفظت الشهادة، حينها بدأ نزيفها يسرح على الأرض ويفترشها بكثير من الوجع.
نظرت من خلف ذلك الباب الموارب تلك الطفلة ذات الثمانية أعوام التي تعانق دميتها المفضلة بين يديها، كانت ترتجف وهي تخطو خطواتها برعب تبحث عن والدتها التي اختطفت من بين أحضانها...
مضت سنوات كثيرة كالعلْقَم على قلبها وما زالت تبحث عنها، أصبحت في السابعة عشر من عمرها، وقد أقسمت أن تنتقم لها وما الحجارة إلا سلاح لها تلقيه على أحد الجنود ثم تفر هاربة، لولا تلك اليد التي باغتتها من خلفها غدرًا، فسقطت أرضًا بفعل مهاجمته؛ لم تخضع له بل قاومت بكل طاقتها، حتى خارت قواها عندما اجتمع الكثير من شاكلته لتقييد حركتها، اعتقلوها مع بقية الأسرى، بصقت بقوة على وجوههم ثم دفعوها بغشم داخل المعتقل.
تمر الأيام بطيئة وكأنَّ عدَّاء الساعة لم يعُد يعدو؛ فهناك امرأة مفقودة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، جسدها فقط من يحضر بين النساء أمَّا عقلها فقد غادر مُذ مدة، نادتها إحداهنَّ وهي تقول:
- رغدة، رغدة استيقظي إنه حلمٌ يا عزيزتي.
كُنَّ يبحثن عن شربة ماء يسقينها لها لكي يزول عنها جاثوم الليل والنهار، إحداهُن جديدة معهنَّ تلك الفتاة ذات السبعة عشر عامًا؛ لكنها مناضلة قوية، قد أغرت خمسة عشر عسكريًا إسرائيليًا وفتك بهم أصدقاؤها، وها هي بينهنَّ أسيرة، نطقتْ سريعًا من بين تلعثمها إثر الضرب، وقالتْ:
- لن يستقيم الأمر هكذا يجب أن يراها طبيب.
ضحكت أخرى من بين دموعها وهمستْ:
- يا صديقتي نحن أسرى حرب، يقولون عنا في الخارج عاهرات ليل، عفوًا لسنَ هكذا هم من ينوون أن يُحولونا هكذا.
- لن نسمح، ولن يسمح فدائيونا.
- ولكننا سقطنا مُنذ زمن.
- بلى ما زلنا نحارب حتى آخر قطرة من دمائنا أنتن لم ترين ثوراتنا في الخارج أنا حديثة دخلت توًا، أعلم كيف تشتعل محرقة الأعداء بالخارج.
- رغدة، يا فتاة استعيدي نفسك وإلا سيقبضك الجاثوم يومًا ما.
نطقت الصغيرة بشفقة وقالت:
- هل فقدت أحد أبنائها هي الأخرى؟
أشارت لها بيدها عجوز ما وقالت:
- يا صغيرتي أمعني النظر جيدًا، كل هؤلاء فقدن طفلًا أو صبية أو رجلًا ما من أحد معصوم من الفقد، نحن فقدنا أحلامنا وبراءتنا وهدوءنا، وعزة أنفسنا، نحن فقدنا أشياءَ لا تُعوض يا فتاتي لكننا ما زلنا نعتصم بكرامتنا، أما عنها أشارت قُبَالَة "رغدة" فهي أم افترقت عن فلذة كبدها.
سنوات وهم يناضلون، يكافحون بكل ذرة لديهم رغم قلة أعدادهم وذخائرهم، تساقط الكثير والكثير، وكادوا أن يتقبلوا الهزيمة، افترشوا الأرض، خارت قواهم، ولا حياة فيهم غير بضعة أنفاس يزفرونها يأسًا، وتتناثر معها حبات رمال أرضهم العزيزة حولهم، لا ينوون التخلي عنها حتى مع ضياع آخر نفس لهم، كاد الكل يغمض عينيه استسلامًا حتى أتى لهم من بعيد صدى صوت طبول رجت أركان المدينة بأكملها كعروس تزف أو مولود وُلد، لم يعرفوا مصدره بعد؛ لكنه أحيا إحساس النصر داخلهم والعزيمة، الإصرار على الفوز، يقتربون منهم بملابس ناصعة تحيي الأمل من جديد، يرفعون رايات بيضاء كتب عليها "النصر لله رغم أنف الأعداء"، اقتربت الرايات والزفة ما زالت في أوجهها، تتطاير طرحة العروس ومعه يتطاير من داخلهم اليأس، ينفضون غباره مع كلمات تلك الأغنية:
"اسمع يا ولد احنا كبار البلد
ابننا زعيم من يوم ما انولد
احنا احنا كبار لا تلعب بالنار
ويموت إلى يغار ويرحل"
ومع تهليل المناضلين يظهر في الأفق البعيد خيالات لجيوش مديدة يُسمع دبات أقدامهم القوية المتحفزة للقضاء على عدوهم المشترك، أسلحة وبنادق، طائرات ودبابات تلوح في سماء الوحدة العربية، حرية فلسطين منهم ولهم، تشابكت الأيادي معًا وقد بدأ العد التنازلي للجبناء، ولعلها تنتصر أرض الزيتون.
تمت
عمل مشترك بين
شروق مصطفي
جويريه مصطفي
اسراء ابوشنب
زينب محمد علي


تعليقات
إرسال تعليق